أحمد ياسوف
433
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ويكاد يقصر علماء البلاغة جمالية الكناية التي هي رأس فيما ذكرنا من مصطلحات على التجنب بلفظها عن لفظ مستكره قبيح ، قال الثعالبي : « هذا الكتاب خفيف الحجم ثقيل الوزن ، صغير الجرم ، كبير الغنم ، في الكنايات عما يستهجن ذكره ، ويستقبح نشره ، أو يستحيا من تسميته ، أو يتطير منه ، أو يترفع عنه ويصان عنه بألفاظ مقبولة تؤدي المعنى ، وتفصح عن المغزى ، وتحسن القبيح ، وتلطف الكثيف » « 1 » . ويوضح الجرجاني أحمد بن محمد ( - 482 ه ) بعد التهذيب في الكناية قائلا : « واعلم أن الأصل في الكنايات عبارة الإنسان عن الأفعال التي تستر عن العيون عادة بألفاظ تدل عليها غير موضوعة لها تنزّها عن إيرادها على جهتها ، وتحرزا عما وضع لأجلها ، إذ الحاجة إلى ستر أقوالها كالحاجة إلى ستر أفعالها ، فالكناية عنها حرز لمعانيها » « 2 » . جمالية التهذيب تعني صلة وثيقة وروابط وشيجة بين الفن والأخلاق ، وهذا أمر طبيعي في كتاب سماوي يدعو إلى الهداية ، فالقرآن الكريم يدعو إلى التحضر في المعيشة والتفكير ، بل في التعبير عن المعيشة ، خصوصا أن بذاءة اللسان من خصال النفاق ، قال عليه الصلاة والسلام : « الحياء والعيّ شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق » « 3 » . هذا من حيث الخلق ، وتعود أهمية هذه الدراسة من حيث الفن إلى تبيين وجه من وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم ، فلا شك أن طابع التهذيب وترك المحظور من الألفاظ مما يتصل بالنكاح وغيره كل هذا يدل على تمكّن من الفروق اللغوية ، إذ تختار كلمة مناسبة يترفع بها القارئ
--> ( 1 ) النهاية في فن الكناية ، الثعالبي ، ص / 220 . ( 2 ) المنتخب من كنايات الأدباء ، الجرجاني ، ص / 4 . ( 3 ) الترمذي ، البر والصلة ، ح ( 2028 ) .